بريق ‘تصياغت’ بقلب إمغران: حكاية الفضة والأصالة في ورشة عبد الرحمان تكرنيت
هنا، في أعالي جبال أطلس ورزازات، حيث تلتقي الأصالة بعراقة التاريخ.. ترقد قبيلة “إمغران” الشامخة. وفي قلبها، يستقبلك “دوار إمزيلن”؛ هذا المكان الذي ارتبط اسمه تاريخياً بالصناعة والتشكيل، ليحمل اليوم مشعل الحفاظ على واحدة من أقدم الحرف التقليدية الأمازيغية.. حرفة “تصياغت” أو صياغة الفضة.
حرفة ‘تصياغت’ بدوار إمزيلن: فنٌّ يتوارثه الأجيال بقلب إمغران
بين جدران هذه الورشة البسيطة، يطل علينا السيد “عبد الرحمان تكرنيت”، سليل هذا الإرث العائلي الذي توارثه أباً عن جد. هنا، لا يتعامل عبد الرحمان مع المعدن كصانع فحسب، بل كفنان يبعث الروح في الفضة الصامتة، لتنطق بجمالية الثقافة الأمازيغية وهويتها البصرية الفذة.
بين الدقة واللهب: ملحمة تحويل الفضة إلى تحفٍ تقاوم الزمن
تتميز حلي قبيلة إمغران وإقليم ورزازات بخصوصية فريدة؛ فمن “تاسغارت” أو “التاكموت” المحلية، إلى الخلاخل والأساور العريضة، والخلالات التي تزين أزياء النساء في المناسبات. قطعٌ تحاكي التصاميم القديمة بنوع من المحاكاة الإبداعية، حيث تمتزج تقنيات النقش الدقيق بمهارة التشكيل اليدوي، لتعكس في تفاصيلها رموزاً وحكايات تحكي قصة الإنسان والأرض.
تبدأ الرحلة من أسلاك الفضة الخالصة ذات المقاييس المختلفة.. وبأنامل متمرسة، يطوع الصانع المعدن، يحوله إلى خيوط ودوائر صغيرة تُدعى “الخرص”، يتم قصها بدقة متناهية وترتيبها لتشكل الهيكل الأساسي للقطعة الفنية.
حكايات الإنسان والأرض: أسرار التشكيل والبريق في حلي نساء إمغران
السر يكمن في التفاصيل.. فكل جزء صغير يتطلب وضعاً دقيقاً ولحاماً دافئاً. باستعمال “التنكار” ومزيج اللحام، وبمساعدة لهب النار المتوهج، تذوب الأجزاء لتتلاحم في انسجام تام، صانعةً لوحة فضية متماسكة تقاوم غبار الزمن.
وبعد النار.. تأتي مرحلة التطهير والتلميع، لتنفض الفضة عنها آثار الصهر، وتبرز ببريقها الأبيض الناصع الذي طالما كان رمزاً للنقاء والجمال لدى المرأة الأمازيغية.
