تاعشورت” ورمزية المهرجان المحلي
تُعتبر مناسبة عاشوراء، أو “تاعشورت” (وتُنطق محلياً “تاشورت”)، واحدة من أبرز المحطات التراثية التي يحتفي بها أهالي منطقة إمغران. فهي ليست مجرد احتفالية عابرة، بل مهرجان شعبي متكامل تتداخل فيه الرموز الأسطورية مع قِيَم التضامن والتكافل الاجتماعي، حاملاً في تفاصيله أساليب عريقة توارثتها الأجيال لترسيخ الهوية المحلية.
شخصيات الموكب الاحتفالي: بين الأسطورة والنظام

1. “أيت تاعشورت” وقائد الموكب “العلاّم”
يُطلق اصطلاح “أيت تاعشورت” على الحشد الاحتفالي الذي يجوب الدروب والأزقة؛ ويرأس هذا الحشد شخصية يُطلق عليها “العلاّم”، وهو القيادي المسؤول عن تنظيم الموكب ورفع الدعوات والمباركة للساكنة.
2. كائنات التراث: “أخُّو” و”الغوم”
-
“أخُّو تاعشورت” (الغول): وهو المقابل الشعبي لـ “بابا عاشور” في مناطق أخرى من المغرب. يتكفل شبان المنطقة بصناعة زيّه الخارجي من أجساد أغطية جلد البقر والمعز، ويضع على وجهه قناعاً مخيفاً ويمسك بيديه عصا غليظة لبث الهيبة.
-
“الغوم” (الجمل التراثي): مرافق “أخُّو” الداعم، صُمّم وجهه من جلد المعز ويقوم شخصان بتشكيل قوائمه، ليتحرك داخل الموكب بأسلوب استعراضي وممتع.
3. حارس الأمانة: “الأمين”
شخصية مركزية تُختار بعناية من بين شباب المنطقة ممن يُعرفون بـ الأمانة وحسن الخلق؛ وتُناط به مسؤولية جمع واستلام “الأعشار” والهبات المالية والعينية المقدمة من الأهالي.
انطلاق الموكب: مسار الحشد وطقوس الجباية الشعبية
مصادر الدعم والمساهمات

ينطلق الحشد في مساره المعتاد مستنداً إلى موارد متعددة تُعزز صندوق المناسبة:
-
عطايا المحسنين: المساعدات والتبرعات التي يقدمها الأهالي طواعية.
-
مكافآت العروض: التبرعات المقدمة ممن يستمتعون بالرقصات والاستعراضات الشعبية.
-
واجب العرسان الجدد: إسهام رمزي مفروض عرفاً على كل حديث عهد بالزواج داخل القرى.
طقوس الدعاء ورفع الصلاة
مقابل كل عطاء يُقدم للموكب—مهما كان بسيطاً—يرفع “العلاّم” صوته بالدعاء الخالص والأماريج الطيب لمن أجزل العطاء، معلناً بداية سريان الحيوية في أرجاء الدوار.
المسار الختامي: استكمال الدورة وحفظ الإرث
من الانطلاق إلى أذان العصر
يحمل المشاة الدفوف والطبول قاصدين نقطة الانطلاق المحددة سلفاً. وما إن يكتمل ارتداء الأزياء التراثية لـ “أخُّو” و*”الغوم”*، حتى يجوب الموكب كافة قُرى ودواوير إمغران في حركة لا تتوقف إلا مع أذان صلاة العصر.
نهاية الحول ووداع الألغاز

بحلول نهاية الجولة، يُختتم حولٌ كامل من الأحداث والتفاصيل التراثية ليُعلن بدء حول جديد:
-
يُنزع الرداء والغطاء عن كل من “أخُّو” و*”الغوم”*.
-
تُحفظ الأقنعة والأزياء بعناية لتُستخرج في العام المقبل، ضماناً لاستمرارية هذه الطقوس الأمازيغية العريقة.
البُعد التكافلي والمنفعة العامة
ينفضّ الجمع بدعواتٍ صالحة لكل من سهر على تنظيم المهرجان وحماية المصلحة العامة. ولا تذهب الأموال والموارد المجمعة هباءً، بل تُوجه بالكامل للصرف في مشاريع وأعمال تعود بالنفع المباشر على ساكنة المنطقة، لتظل “تاعشورت” في إمغران نموذجاً يزاوج بين حفظ الذاكرة الشفهية والمسؤولية المجتمعية.

