- مع أولى خيوط الفجر… وقبل أن تلامس أشعة الشمس قمم الأطلس، تستيقظ الأرض على موعد جديد مع الحياة.
هنا… في دوار تغيرت، بمنطقة إمغران، لا يبدأ الموسم الفلاحي بالآلات، بل يبدأ بخطوات الفلاح، ونبض قلبه، وإيمانه بأن الأرض لا تخذل من يخدمها.
الحرث… ليس مجرد عملية فلاحية، بل هو طقس متجذر في ذاكرة المكان، توارثته الأجيال كما توارثت حب الأرض والصبر عليها.
يمسك الفلاح بمحراثه الخشبي، ويقود زوج البغال في هدوء، بينما تشق السكة صدر التربة، معلنة بداية دورة جديدة من العطاء.
كل أخدود يرسمه المحراث… يحمل أملا بموسم وفير، وكل خطوة فوق هذه الأرض تحكي قصة إنسان ارتبطت حياته بإيقاع الفصول، وبكرم السماء.
بدوار تغيرت، كما باقي دواوير إمغران، لا تزال وسائل الحرث التقليدية حاضرة، رغم تغير الزمن. فهنا، تحافظ الذاكرة الجماعية على تفاصيل العمل الزراعي، باعتباره جزءا من الهوية الثقافية الأمازيغية للمنطقة.
يتعاون أفراد الأسرة والجيران، في مشهد يجسد القيم الأمازيغية العريقة كقيمة “التويزة”، حيث يصبح العمل الجماعي عنوانا للتضامن والتكافل، وتتقاسم الأيدي الجهد كما تتقاسم الأفراح عند موسم الحصاد.
وبين وقع أقدام الثيران على الأرض، وصوت المحراث وهو يقلب التربة، تنبعث سيمفونية قروية لا تؤلفها الآلات، بل تصنعها الطبيعة والإنسان في تناغم فريد.
يعرف الفلاح أن نجاح الموسم يبدأ من حرث جيد، لذلك يمنح أرضه كل ما تحتاجه من عناية، مستحضرا خبرة الأجداد التي صقلتها التجربة عبر السنين.
فالأرض هنا ليست مجرد مورد للعيش… إنها ذاكرة، وانتماء، وعهد يتجدد مع كل موسم فلاحي.
ورغم تحديات الجفاف وتقلبات المناخ، يواصل أهل تغيرت تشبثهم بأرضهم، مؤمنين بأن الأمل يزرع قبل البذور، وأن الصبر أول مواسم الحصاد.
وهكذا… يظل الحرث في دوار تغيرت أكثر من مجرد بداية لموسم زراعي؛ إنه حكاية وفاء للأرض، ورسالة صمود يكتبها الفلاح كل عام، وهو يخط أولى سطور الحياة فوق تراب إمغران.
فما دامت هذه الأرض تنبض بأيدي أبنائها، سيظل التراث الفلاحي حيا، شاهدا على علاقة إنسانية عميقة جمعت الإنسان بأرضه، وجعلت من العمل فيها عنوانا للكرامة والاستمرار.
